تأثيرات الصراع الجيوسياسي في أروقة برشلونة
في يوم الثلاثاء، وخلال فعاليات المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة (MWC 2026)، اجتمع ثلاثة خبراء في جلسة نقاشية حول النظارات الذكية وتقنيات الواقع الممتد (XR). لكن العضو الرابع في اللجنة، المقيم في دبي، لم يتمكن من الوصول إلى المؤتمر. فقبل يومين فقط، أدى اندلاع التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى إغلاق الأجواء وتوقف حركة الطيران تماماً في منطقة الشرق الأوسط.
ورغم أن برشلونة تقع على الطرف الغربي للبحر الأبيض المتوسط، بعيداً عن ساحة الصراع بآلاف الأميال، إلا أن صدى الحرب كان ملموساً داخل أروقة المعرض. وبينما استمرت الفعاليات والاجتماعات كما هو مخطط لها، خيمت حالة من القلق والترقب على الحضور، وبرزت فجوات واضحة تمثلت في غياب وفود وشركات كبرى.
بدت بعض منصات العرض خالية تماماً، وأُلغيت العديد من الاجتماعات المقررة. وبينما تجول العارضون في القاعات، كان من الواضح تضاؤل حضور شركات الشرق الأوسط بشكل كبير، مما غير تجربة المعرض الذي يهدف أساساً لجمع البشر معاً تحت سقف واحد.
ابتكارات غائبة: العدسات الذكية لشركة Xpanceo
في القاعة رقم 6، وقفت منصة شركة Xpanceo شاهدة على هذا الانقطاع؛ فالنماذج الأولية التي كان من المفترض شحنها جواً من دبي لم تصل أبداً. رومان أكسيلرود، المؤسس المشارك للشركة، كان من المفترض أن يكون المتحدث الرابع في جلسة الثلاثاء لاستعراض عدسات لاصقة ذكية ثورية، لكنه لم يتمكن هو ولا النماذج الأولية من مغادرة دبي.
استقبل موظفو الشركة القادمون من مناطق أخرى زوار المعرض باعتذارات، واضطروا لعرض مقاطع فيديو توضيحية تم إعدادها على عجل للتقنيات التي كان من المفترض معاينتها حياً. فالشركة التي اتخذت من دبي مقراً لها بوصفها مركزاً لوجستياً آمناً وقريباً من الأسواق العالمية، وجدت نفسها فجأة داخل منطقة طيران مغلقة، مما تسبب في خسائر مادية ومعنوية كبيرة.
فالنتين فولكوف، الشريك المؤسس والمسؤول التقني للشركة، تحدث عبر تطبيق “زووم” من دبي قائلاً: “لقد فقدنا قدراً كبيراً من الموارد الجسدية والذهنية والعلمية ببساطة لأننا لم نتمكن من إيصال الفريق والنماذج الأولية إلى برشلونة”. وأوضح أن هذه العدسات الذكية تمثل الجيل القادم من الأجهزة القابلة للارتداء، حيث توفر شاشة عرض أمامية مرتبطة بالهاتف، بل ويمكنها قياس مستويات الجلوكوز عبر الدموع.
أزمات إنسانية ولوجستية للعارضين
على الجانب الآخر، واجه بعض الحاضرين مصيراً مختلفاً؛ فقد وصلوا إلى برشلونة قبل اندلاع الأزمة، لكنهم الآن عالقون لا يعرفون متى يمكنهم العودة إلى ديارهم. في جناح “GSMA Doha”، وهو ملتقى لشركات التكنولوجيا في الشرق الأوسط، التقينا بسعيد سعيدي، أحد العارضين الذين يتابعون أخبار عائلاتهم في دبي بقلق بين الحين والآخر.
أكد سعيدي أن الوجود الشرق أوسطي في المعرض بات “قريباً من الصفر” بعد توقف الرحلات الجوية التجارية. وأوضح أن معظم العارضين كانوا يخططون للسفر يوم الأحد، وهو الوقت الذي كانت فيه الأجواء قد أُغلقت بالفعل. وبالنسبة له، فإن خسارة “المصافحة الأولى” واللقاءات الشخصية في MWC تمثل ضربة قوية لفرص العمل وبناء العلاقات الجديدة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي قسم الشركات الناشئة (4YFN)، كان من المقرر حضور سبع شركات تابعة لاتحاد شركات تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني، لكن ممثلي شركتين فقط تمكنوا من العثور على رحلات للوصول إلى العرض، بينما بقيت المنصات الأخرى خالية.
توقعات قاتمة لسوق الهواتف المحمولة
يرى المحللون أن تأثير الحرب سيمتد إلى ما هو أبعد من أروقة MWC. فقد عدلت مؤسسة البيانات الدولية (IDC) توقعاتها لمبيعات الهواتف في عام 2026 إلى نظرة أكثر تشاؤماً، حيث توقعت انخفاضاً بنسبة 13% على مدار العام.
وبينما يعود جزء كبير من هذا التراجع إلى أزمة نقص ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) بسبب استحواذ مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على المخزون، أشار المحلل جيرونيمو فرانسيسكو إلى أن الفوضى الإقليمية والنزاع مع إيران ساهما في هذا التدهور عبر تعطيل سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف النفط، وإجبار الشركات على البحث عن مسارات بديلة مكلفة لتفادي اختناقات الحرب.
ختاماً، جاء MWC 2026 في لحظة فارقة؛ فبينما كان المعرض يضج بشعارات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، ذكرت الأحداث الجيوسياسية الجميع بأن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستقرار العالم المادي وقدرة البشر على التنقل واللقاء وجهاً لوجه.
المصدر: CNET









اترك تعليقاً