مواجهة مباشرة مع البنتاغون: نقطة التحول

في ظهيرة يوم الجمعة، وبينما كانت هذه المقابلة على وشك البدء، ومض تنبيه إخباري عبر شاشة الحاسوب: إدارة ترامب تقطع علاقاتها مع شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، رائدة الذكاء الاصطناعي التي تأسست في سان فرانسيسكو عام 2021 على يد داريو أمودي. لم يلبث وزير الدفاع بيت هيغسيث أن فعل قانون الأمن القومي لإدراج الشركة في القائمة السوداء، ومنعها من التعامل مع البنتاغون، بعد رفض أمودي السماح باستخدام تقنيات الشركة في المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين أو في الطائرات المسيرة المسلحة ذاتية القيادة التي تختار أهدافها وتقتلها دون تدخل بشري.

كانت سلسلة من الأحداث الصادمة؛ إذ باتت “أنثروبيك” مهددة بخسارة عقد تصل قيمته إلى 200 مليون دولار، مع احتمالية حظرها من التعامل مع مقاولي الدفاع الآخرين، خاصة بعد أن نشر الرئيس ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” موجهاً جميع الوكالات الفيدرالية بـ “الوقف الفوري لكافة استخدامات تكنولوجيا أنثروبيك”. ومن جانبها، أعلنت الشركة أنها ستطعن في قرار البنتاغون أمام القضاء.

رؤية ماكس تيجمارك: حصاد ما زرعته الشركات

قضى ماكس تيجمارك، الفيزيائي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، قرابة عقد من الزمان وهو يحذر من أن سباق بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قوية يتجاوز قدرة العالم على حكمها. تيجمارك، الذي أسس معهد “مستقبل الحياة” في عام 2014، كان المحرك الأساسي لرسالة مفتوحة في عام 2023 طالبت بوقف مؤقت لتطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم، ووقع عليها أكثر من 33 ألف شخص، بمن فيهم إيلون ماسك.

نظرة تيجمارك لأزمة “أنثروبيك” قاسية وصريحة: يرى أن الشركة، مثل منافساتها، زرعت بذور مأزقها بنفسها. الحجة لا تبدأ من البنتاغون، بل من قرار اتُخذ قبل سنوات بمقاومة التنظيمات والقوانين الملزمة، والاعتماد بدلاً من ذلك على وعود “التنظيم الذاتي”. حتى إن “أنثروبيك” تخلت مؤخراً عن المبدأ المركزي في تعهدها بالسلامة، وهو الالتزام بعدم إصدار أنظمة قوية بشكل متزايد حتى تتأكد الشركة تماماً من أنها لن تسبب ضرراً.

المفارقة بين التسويق والواقع

يرى تيجمارك أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة. وفيما يلي أبرز النقاط التي لخصها حول التناقض في مواقف شركات التكنولوجيا:

  • التنظيم الذاتي المضلل: لوبيات شركات الذكاء الاصطناعي تفوقت في تمويلها وقوتها على مجموعات ضغط الوقود الأحفوري والصناعات العسكرية، وكل ذلك لعرقلة القوانين التي تفرض معايير سلامة ملزمة.
  • غياب الرقابة: يشبه تيجمارك الوضع الحالي بمحل شطائر يخضع لرقابة صحية صارمة، بينما يمكن لشركات التقنية إطلاق “صديقات ذكاء اصطناعي” للقصر أو أدوات قد تهدد استقرار الحكومات دون أي رقابة حقيقية.
  • تآكل الالتزامات: “جوجل” تخلت عن شعار “لا تكن شريراً”، و”OpenAI” حذفت كلمة السلامة من بيان مهمتها، و”xAI” حلت فريق السلامة التابع لها، والآن “أنثروبيك” تتراجع عن أهم وعودها.

حجة “السباق مع الصين”: ذريعة أم حقيقة؟

دائماً ما تتذرع الشركات بأن أي تنظيم سيعيق أمريكا في سباقها ضد الصين. لكن تيجمارك يحلل هذا الادعاء بشكل مختلف؛ فالصين بصدد حظر “صديقات الذكاء الاصطناعي” ليس إرضاءً لأمريكا، بل لأنها تدرك أنها تضعف شبابها. كما أن الحزب الشيوعي الصيني، المهووس بالسيطرة، لن يسمح أبداً لشركة تقنية ببناء نظام “ذكاء خارق” قد يطيح بالحكومة. وبالمثل، يرى تيجمارك أن الذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن التحكم به يمثل “تهديداً للأمن القومي” وليس مجرد أداة تفوق.

مستقبل الصناعة: الذكاء الخارق على الأبواب

قبل ست سنوات، توقع الخبراء أننا سنحتاج لعقود للوصول إلى ذكاء اصطناعي بمستوى بشري، لكنهم كانوا مخطئين. اليوم، تجاوزت الأنظمة مستويات خريجي الجامعات وحصلت على ميداليات ذهبية في الأولمبياد الدولي للرياضيات. ووفقاً لتعريفات علمية دقيقة، فإن نموذج GPT-4 قطع 27% من الطريق نحو الذكاء الاصطناعي العام، بينما وصل GPT-5 إلى 57%.

يختم تيجمارك برؤية متفائلة مشروطة: “هناك بديل واضح، وهو البدء في معاملة شركات الذكاء الاصطناعي كأي شركة أخرى. يجب إلغاء الحصانة الضمنية وفرض تجارب سريرية قبل إصدار الأنظمة القوية. إذا فعلنا ذلك، سنعيش عصراً ذهبياً للذكاء الاصطناعي دون الخوف الوجودي الذي يلاحقنا الآن”.