تحول استراتيجي في وادي السيليكون

أفادت صحيفة “فايننشال تايمز” بأن شركة “سيكويا كابيتال” (Sequoia Capital) تعتزم الانضمام إلى جولة تمويلية ضخمة لصالح شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والمطورة لنموذج “كلود” (Claude). وهي خطوة أثارت دهشة واسعة في أوساط وادي السيليكون، نظراً لما تمثله من كسر للأعراف التقليدية في قطاع رأس المال الجريء.

تاريخياً، دأبت شركات رأس المال الجريء على تجنب الاستثمار في شركات متنافسة ضمن القطاع نفسه، مفضلةً الرهان على “فائز واحد” لتجنب تضارب المصالح. إلا أن “سيكويا” قررت كسر هذه القاعدة؛ فبالرغم من استثمارها الحالي في شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI) وشركة “إكس إيه آي” (xAI) المملوكة لإيلون ماسك، ها هي الآن تضع ثقلها خلف “أنثروبيك” أيضاً، لتجمع بذلك بين كبار المتنافسين في محفظتها الاستثمارية.

معضلة الوصول إلى المعلومات الحساسة

يأتي هذا التوقيت لافتاً، خاصة بالنظر إلى تصريحات سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، تحت القسم العام الماضي. ففي معرض دفاع شركته ضد دعوى ماسك القضائية، أشار ألتمان إلى أن المستثمرين الذين يتمتعون بوصول مستمر إلى معلومات سرية داخل “أوبن إيه آي” قد تم إبلاغهم بأن هذا الوصول سيتوقف في حال قيامهم بـ “استثمارات غير سلبية” في المنافسين. ووصف ألتمان هذا الإجراء بأنه “معيار صناعي” لحماية المعلومات الحساسة تنافسياً.

أرقام فلكية وتقييمات متضاعفة

وفقاً لتقرير “فايننشال تايمز”، تنضم “سيكويا” إلى جولة تمويلية يقودها صندوق “جي آي سي” (GIC) السنغافوري وشركة “كوتيو” (Coatue) الأمريكية، بمساهمة قدرها 1.5 مليار دولار لكل منهما. وتسعى “أنثروبيك” من خلال هذه الجولة إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • جمع تمويل يصل إلى 25 مليار دولار أو أكثر.
  • الوصول إلى تقييم سوقي يبلغ 350 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من ضعف تقييمها البالغ 170 مليار دولار قبل أربعة أشهر فقط.
  • استقطاب استثمارات من عمالقة التكنولوجيا، حيث التزمت “مايكروسوفت” و”إنفيدياً” بضخ ما يصل إلى 15 مليار دولار مجتمعة.

علاقات عميقة تتجاوز الحسابات التجارية

ترتبط “سيكويا” بعلاقة تاريخية وطيدة مع سام ألتمان؛ فقد كانت الداعم الأول لشركته الناشئة “لوبت” (Loopt) بعد تركه لجامعة ستانفورد، كما عمل ألتمان لاحقاً كـ “كشاف” (Scout) لصالح الشركة، وهو من عرّفهم بشركة “سترايب” (Stripe) التي أصبحت لاحقاً من أهم استثماراتهم. كما تظهر علاقة وثيقة بين ألفريد لين، الشريك الإداري في سيكويا، وألتمان، حيث أعلن لين علناً عن استعداده لدعم أي مشروع مستقبلي لألتمان خلال أزمة الإطاحة المؤقتة به من قيادة “أوبن إيه آي” في أواخر 2023.

أما استثمار “سيكويا” في “إكس إيه آي” (xAI)، فيُنظر إليه في الأوساط التقنية على أنه رغبة في تعميق الروابط مع إيلون ماسك أكثر من كونه رهاناً تقنياً بحتاً، حيث تُعد سيكويا مستثمراً رئيسياً في كافة مشاريع ماسك الكبرى، من “إكس” و”سبيس إكس” إلى “نيرولينك”.

تغير جذري في فلسفة تضارب المصالح

يبرز تحول موقف “سيكويا” بشكل صارخ عند مقارنته بوقائع سابقة؛ ف في عام 2020، اتخذت الشركة خطوة غير مسبوقة بالتخلي عن استثمارها في شركة المدفوعات “فينيكس” (Finix) فور اكتشافها أن الناشئة قد تنافس “سترايب”. حينها، تنازلت “سيكويا” عن استثمار بقيمة 21 مليون دولار ومقعدها في مجلس الإدارة لتجنب التضارب، في واقعة كانت الأولى من نوعها في تاريخ الشركة لقطع صلة بشركة ممولة حديثاً.

ومع استعداد “أنثروبيك” لاحتمالية طرح عام أولي (IPO) قد يكون في غضون هذا العام، يبدو أن قواعد اللعبة في وادي السيليكون قد تغيرت، حيث أصبحت الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي مبرراً كافياً لتجاوز القواعد التقليدية لرأس المال الجريء.